أكبر خطأ تربوي يرتكبه الآباء والأمهات أنهم يربون أطفالهم على القيم والأخلاق الحميدة في البيت دون الحديث عن أخلاق الناس في المجتمع، فمثلا نربي الطفل على أن يكون صادقا منذ صغره في البيت، ولا نتكلم معه على أن في المجتمع هناك أشخاص صادقين وآخرين كاذبين، أو نربيه على الأمانة وعدم السرقة داخل البيت، ولا نذكر له أن في المجتمع سارق وغير أمين،فالخطأ الذي نرتكبه بالتربية هو أن نربي أبنائنا تربية مثالية داخل البيت، ونكون سعيدين عندما نرى أبنائنا صادقين ومطيعين يحافظون علي الصلاة وبرالوالدين، وبنفس الوقت نخطئ عندما لا نعلمهم أن هذه الأخلاق ليست عند أكثر الناس في المجتمع، ففي المجتمع سارق وكاذب ومتعاطي للمخدرات وملحد ووووالخ،عندما يكبر الطفل ويخرج للمجتمع فيصدم بسلوك الناس وأخلاقهم سواء كانوا أصدقاء أو زملاء عمل، فيقرر أن يجاريهم بأخلاقهم ويسايرهم حتى لا يكون مخالفا لهم، فيكون قد سقط تربويا ونسف القيم التي تربي عليها في بيته بسبب أن والديه ربوه على المثالية داخل البيت ولم يذكروا له أن المجتمع الذي يعيش فيه ليس مثالياوالحل التربوي لهذه المشكلة حتى يحافظ الطفل على أخلاقه الحميدة مدى الحياة ولا يرفضها أو يتخلى عنها، أننا ونحن نربيه على القيم داخل البيت نعلمه أن في أشخاص كثيرين لا يطبقون هذه القيم بالمجتمع، مثلا عندما نربيه على الكلام الطيب وعدم الشتم داخل البيت نخبره بنفس الوقت أن هناك أشخاص خارج البيت يشتمون، وإذا ربيناه في البيت على احترام الآخرين نخبره أنه قد يتعرض للتنمر أو التحرش خارج البيت،وهذه هي المعادلة التربوية الصحيحة، ولكن بعض الآباء يحتجون بفكرة أنه لماذا نعلمه الشر؟ أو لماذا نفتح عينه على السلوكيات المنحرفة؟، وهذه حجة خاطئة ومنطق غير صحيح، لأن تربية الطفل على المثالية تجعله يظن أن كل الناس مثله، ولذلك عندما يشاهد أشخاص غير مثاليين ويختلط بهم ويحبهم فإنه يتخلى عن مبادئه وأخلاقه وقيمه التي تربى عليها، والسبب هو أنه عندما تربى على المثالية في البيت في صغره لم يتحدث معه والداه عن أخلاق بعض الناس في المجتمع فيصدم فالتربية ليست فقط غرس القيم وإنما كذلك بناء المناعة، وتبني المناعة عندما نعلم الطفل طبيعة أخلاق الناس في المجتمع، فعندما ينجح الآباء في تربية أبنائهم على أن يعيشوا في عالم غير مثالي دون أن يفقدوا قيمهم وأخلاقهم فهذه هي التربية الصحيحة والناجحة، وهي معادلة ليست سهلة ولكنها ممكنة،فمثلا عندما نربي الطفل على حسن اختيار الأصدقاء بنفس الوقت لابد أن نعلمه أنه ليس كل زميل يصلح أن يكون صديقا، وعندما نغرس فيه خلق الرحمة نعلمه أن بعض الناس قد يكونون قساة، وعندما نعلمه خلق العدل نخبره أن الظلم قد يقع من أشخاص كثيرين، وعندما نعلمه ضبط الغضب نخبره أن الآخرين قد يستفزونه عمدا، فندربه على التحكم في نفسه قبل الرد، وهكذافلا ننتظر أن يصدم الطفل بالمشكلة أو يصدم برؤية الغير متربين في المجتمع فيقلدهم، بل نعرض عليه المشاكل المتوقع أن يشاهدها في المجتمع أو بالمدرسة قبل أن يشاهدها، بطريقة تتناسب مع عمره وتفكيره، فيكون البيت مكان لتربية الطفل على القيم وكذلك يكون البيت مركز التدريب للحياة، فيتخرج الطفل من بيت يحمل قيما ثابته ويملك بنفس الوقت مهارات التعامل مع مجتمع قد لا يشاركه تلك القيم، فالتربية أساسها غرس القيم وبناء المناعة، والوقاية خير من العلاج قال تعالى *(يأ أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا)* فالوقاية في (قوا) تعنى علموهم وأدبوهم وربوهم قبل أن يقعوا في الهلاك

