الأنانية القاتل الصامت لاستقرار الأسرة، والأنانیة ھي مرض العصر الذي یروج لھ في شبكات التواصل الاجتماعي والإعلام، فتشاھد
وتسمع عبارات مثل (أھم شيء نفسك) أو (وذاتك أھم أولویاتك) وغیرھا من الشعارات التي تجعل كل فرد من أفراد الأسرة یعیش لنفسھ على حساب غیره، وھي ما نسمیھا في مصطلحنا وثقافتنا (الأثرة) أو (شح النفس) أو (الأنانیة)فكل شخص في الأسرة یطلب حقھ ولا یفكر في الواجب الذي علیھ، حتى تصبح (الأنا) أكبر من (نحن)، وھنا تبدأ الأسرة في التفكك، وفي السنوات الأخیرة كثرت الرسائل التي تشجع على تفكیر الإنسان بنفسھ وعدم التضحیة من أجل الآخرین، وسرعة الانسحاب من العلاقة الزوجیة أو التربویة في حالة لو كان فیھا مشكلة تتطلب صبرا أو تنازلافیھرب الزوج من مسؤولیاتھ، وتتخلي الزوجة عن دورھا، ویرفض الأبناء تحمل أي واجب داخل الأسرة، فتتراكم الأعباء على أحد أفراد الأسرة حتى یشعر بالظلم، ومع مرور الوقت یختفي العطاء للأسرة، ویختفي معھا الحب وطعم الحیاة المشتركة للأسرة، وتتحول العلاقة الأسریة إلى دفتر حسابات یسجل فیھا كل فرد ماذا أعطى وماذا أخذ، حتى تتقطع العلاقات ویعیش كل شخص من أفراد الأسرة لوحده، فیأكل لوحده ویشتري لوحده وینام لوحده ویتحدث مع نفسھ أو جھازه، فیعیش كل فرد من أفراد الأسرة بأنانیة سلبیة مریضة، فالزوج الأناني یرید الراحة، والزوجة الأنانیة ترید حقوقھا فقط من غیر تقدیم أي واجب، والأبناء الأنانیون یطالبون بكل شيء دون تقدیر ما یبذلھ الوالدین لھما، فتتحول الأسرة إلى علاقة وظیفیة لیست قائمة على المشاركة والمحبة والإیثار والعطاء، فبدل أن تعیش الأسرة بمفھوم التعاون كفریق واحد یصبح كل واحد منھم یعیش بمفرده، فیختفي مفھوم الأسرة ویبرز مفھوم الوحدة والأنانیةوھذا الوصف والتشخیص للواقع الذي نعرضھ حذرنا منھ رسولنا الكریم صلى الله علیھ وسلم فقال : (إنكم ستلقون بعدي أثرة وأمورا تنكرونھا، قالوا : یا رسول الله فما تأمرنا؟ قال : تؤدون الحق الذي علیكم وتسألون الله الذي لكم) وفي روایة أخرى : (أصبروا حتى تلقوني على الحوض) ومعنى الأثرة أي استئثار بعض الناس المنافع أو الحقوق لأنفسھم دون غیرھم، والجمیل في التوجیھ النبوي أنھ لم یعالج الأثرة والأنانیة بأنانیة مماثلة وإنما دعا إلى أداء الواجبات وعدم تحویل الظلم إلى فوضى أو ظلم متبادل مع المطالبة بالحق بالطرق المشروعةوھذا ما نلاحظھ الیوم على مستوى الأسرة، فعندما یستأثر أحد الزوجین الراحة أو اتخاذ القرار ویطالب بحقوقھ كاملة دون مراعاة حقوق الآخرین تبدأ روح الأسرة تضعف وتتفكك، فمفھوم الإیثار یجعل الفرد بالأسرة یسأل نفسھ : ماذا سأقدم؟ أما الأثرة أو الأنانیة فیسأل نفسھ : ماذا سأحصل؟ فأعظم ھدیة یقدمھا الزوجان لأبنائھما لیست المال ولا التعلیم فحسب، بل أن یروھم كل یوم نموذجا حیا للتضحیة والتعاون وتحمل المسؤولیة ومحاربة الأنانیة والأثرة، لأن الأبناء لا یتعلمون من الكلمات بقدر ما یتعلمون من القدوات، فالأسرة لا تنھار عندما یقل الحب فقط بل عندما یكبر حب النفس والأنانیة علي حساب حب الأسرة

